اختلاف نهج الدول في التعامل مع جائحة كورونا .. السويد أنموذجًا


الدكتور جواد الديوان

أستاذ علم الأوبئة في كلية الطب جامعة بغداد

الحوار المتمدن-العدد: 6570 – 2020 / 5 / 21

المحور: ملف: وباء – فيروس كورونا (كوفيد-19)

الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في المجالات كافة //

  حجرت الصين 50 مليون شخص في كانون الثاني 2020 في بدايات انتشار فيروس كورونا المستجد. ونفذ الكثير من الديمقراطيين اجراءات قسرية للسيطرة على انتشار فيروس كورونا المستجد، وفي منتصف اذار 2020، نفذت معظم دول منظمة التعاون والنمو الاقتصادي OECD العديد من الاجراءات مثل غلق المدارس والجامعات واماكن العمل ووسائل النقل العامة، وحددت حضور المناسبات العامة والخاصة، ومنعت السفر. وبدلا من الاغلاق واعلان حالة الطواريء طلبت حكومة السويد من مواطنيها ممارسة التباعد الاجتماعي طوعيا. وطبقت السلطات السويدية بعض التحديدات لتسطيح المنحنى تمثلت في عدم التجمع لاكثر من 50 شخص، ولا خدمات في المقاهي والبارات، وطبقت التعلم عن بعد في المدارس والجامعات. وتجنبت الحكومة السويدية السيطرة القسرية باستخدام القوى الامنية. وعدد من المطاعم بقت مفتوحة رغم قلة مرتاديها، والاطفال في مدارسهم، وهذا بالضد من النرويج ودول اسيا. وتجنب السويد تكنولوجيا تحديد الاماكن location tracing technologies لتجنب تهديد الخصوصية الشخصية للمواطن.

لم تبرر السويد سياستها في مواجهة فيروس كرونا المستجد بهدف الوصول الى الى مناعة القطيع، حيث يعتقد العلماء عندما يتعرض 60% من السكان للاصابات بمختلف شدتها، اي نسبة ممن حصل على مناعة، تستطيع ايقاف الفاشيات. ولكن تعزيز مناعة المجتمع من الاستراتيجيات الواسعة للحكومة السويدية وتمثل ذلك في بقاء المطاعم ومدارس الاطفال والاعمال مفتوحة.

في السويد، توقع اطباء الاوبئة ان تصل مناعة القطيع في استوكهولم الى نسبة معقولة بدايات مايس 2020 استنادا الى افتراضات وتحديث المتغيرات حول التباعد الاجتماعي وسلوك الناس. وعالم رياضيات في جامعة استوكهولم اوضح بان مناعة لدى 40% من السكان في العاصمة تكفي لايقاف انتشار الفيروس وتوقع حصول ذلك في منتصف حزيران 2020.

حصلت السويد على الاطراء حيث حافظت على مظهر اقتصاد طبيعي، وكذلك نسب الوفيات فيها اقل منها في بلجيكا وفرنسا وايطاليا وهولندا واسبانيا وبريطانيا. كما توجهت للسويد انتقادات لفشلها في حماية كبار السن والمهاجرين. ويقال 50% كبار السن المصابين بـ COVID-19 حصلوا على الرعاية الصحية والطبية، فقد كانت العديد من المؤسسات بطيئة في تنفيذ بعض اجراءات الحماية. وعانى المهاجرون كذلك حيث معظم اعمالهم في قطاع الخدمات ولا يمكنهم تنفيذها من المنازل.

في مناقشة نسب الوفيات المرتفعة في السويد، ستبدو قليلة بالمقارنات مع الدول الاخرى. وجهود احتواء كورونا المستجد محكوم عليها بالفشل في معظم الدول، وسيصاب في النهاية عدد كبير من الناس، وعندما ستشهد الدول موجة ثانية، وسيكون وضع السويد افضل.

لم تكن استجابة السويد للجائحة مثالية او كاملة ابدا، ولكنها دعمت مناعة الشباب والاصحاء، ومن لديهم عوامل خطورة لمضاعفات COVID-19 اقل، وكذلك تسطيح المنحنى. ولم تتحمل وحدات الانعاش ثقلا اثناء الجائحة.

تحاكي السويد عدد من الدول في تصديها للجائحة، ومنها فنلندا اعادت فتح المدارس، والمانيا سمحت بفتح الدكاكين الصغيرة وايطاليا تفتح مواقف السيارات وفرنسا تخطط لاعادة فتح بعض الاعمال مثل الحقول والاسواق والمتاحف الصغيرة والمدارس ومراكز الرعاية النهارية الطبية. وفي الولايات المتحدة الامريكية حيث سجلت اعلى رقم اصابات، تحاول بعض الولايات تسهيل الاغلاق المفروض، والرئيس ترامب رغم انتقاداته للنموذج السويدي، فانه يعمل لوضع مماثل.

يحتاج العالم سنوات لتحديد خسائر الجائحة، من احصاء الوفيات الكلي للجائحة وعدد المؤسسات التي افلست وعدد العمال المسرحين من وظائفهم وعدد المنتحرين وعدد الاصابات باضطرابات الصحة العقلية والخسائر من الناتج الكلي وخسائر الاستثمار وغيرها من الكلف بسبب فيروس كورونا المستجد او من اجراءات محاربته.

الخسائر الاقتصادية من الاغلاق توضحت بعض الشيء في دول منظمة التعاون والنمو الاقتصادي OECD حيث يتقلص الاقتصاد شهريا. وستشهد فرنسا والمانيا وايطاليا واسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية انكماشا في اقتصادها. البطالة تتزايد بشكل لم يشهدها العالم منذ 1930، وتشكل الوقود لاضطرابات سياسية وانقسامات اجتماعية.

تسهيل تحديدات الاغلاق سيخفف من الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويساعد الناس على تكوين مناعة تتنهي فيها الطرق الصعبة لمحاربة فيروس كورونا المستجد. والكثير عن الفيروس المستجد سيبقى غير مفهوم. والدول التي اغلقت نشاطات سكانها ستواجه فاشية او جائحة ثانية او ثالثة، فان انتهجت طريق السويد ستقلل من خسائرها.

نهج السويد في التعامل مع الفيروس المستجد يعكس ثقافة وحضارة متميزة، ومن الصعب استنساخها. والاعتماد على مسؤولية الافراد لن تتكرر ابعد من الدول الاسكندنافية. وتعامل السويديون مع تعليمات الحكومة بشكل لا يمكن لاي امة اخرى ان تكررها. انها الثقة العالية بين افراد الشعب وبين الشعب ومؤسسات الحكومة. وتفهمت الدولة ان التعامل مع الفيروس المستجد وليست هزيمته هو الخيار الصحيح.

Comments are disabled.